Saturday, April 28

خليك ... أصلي!!!

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

إذا كنت ممن يتذوقون الفن؛ يعشقون الإبداع؛ بكل انواعه؛ إذا كنت من هؤلاء الذي يقدرون ثمن الفكرة؛ فإنك بالتأكيد تشعر بهذا الشعور الغريب بالراحه و ربما السعاده و انت تستمتع بأي عمل إبداعي؛ و تنسجم مع كل فكرة تشعر بقيمتها الفنية النفيسه.

شعور اعتقد ان سببه الرئيس ان الإبداع إنما يخاطب الوجدان؛ يخاطب المشاعر؛ و القلب...و يأسرهما؛ يلمس مباشرة ذلك الجزء "الأصلي" بداخل كيانك المسمي بنفس اسمك!

حياتنا عبارة عن تجارب؛ و علاقات متشعبة و متعددة كل علاقه و لها قالبها و صبغتها التي تغلفك؛ و بتعداد تلك العلاقات؛ يكون عدد ما يغلف "أصلك" من طبقات...في النهايه تمثل صورة موازية لك...لكنها ليست بالضرورة "أنت" ربما تختلف في الحجم او اللون...لكنها في النهاية ليست انت بتفاصيلك الأصلية البريئة! و من هنا يحدث الفارق عندما تتذوق الإبداع الفني و تتلذذ به!

إنه يخاطب ذلك الجزء "الأصلي" بداخلك...يخاطب "أنت" الذي لا تعرفه و لم تعد تراه بسبب كل تلك الطبقات التي تكسو كيانك؛ في لحظات تذوقك للإبداع؛ و إستمتاع مشاعرك بلذته تتصالح مع هذا "الأنت" و تروج الألفة بينكما فيسترح قلبك الذي بح نداءاً عليك ليلفت إنتباهك في كل معاملاتك؛ انك لم تعد تنتبه "لك"!

من هنا تأتي فعلاً الحاجه الحقيقه لتذوق فن هادف؛ فن راقٍ يرقي بمشاعر المجتمع و يدعم وجدانه و يوجه دفته إلي ذلك الإتجاه الذي يقابل فيه الجزء "الأصلي" منه! يصطلح علي معاني الإنسانية الفطرية التي فطرها الله جل و علا في أصل خلقته.

حقيقة لا ينكرها احد اننا نحتاج في كل نواحي حياتنا لمحاولة تذوق مناطق الجمال فيها حتي نستطيع ان نكون دوماً ملامسين لهذا الجزء الأصلي بداخلنا؛ من يري هذا الجمال ستجده دوماً مبتسماً؛ لا يكاد وجهه يعبس. من يري جمال الأشخاص حوله؛ لا يمكن ان يحمل قلبه ضغينة لهم؛ او حقداً علي احدهم؛ من يتذوق إبداع الكون لن يملك الا شكر الخالق ليل نهار؛ و لن يفتر عن حمده؛ ابداً لا يتحرك عن الرضا بقضائه.

نخلص من هذا الي نتيجة مهمة جداً اننا نعم نحتاج للفن في حياتنا؛ لكن السؤال هو اي فن؛ هل فنون "الهلفوت" و "اللمبي" هي ما نستطيع بها التصالح مع ذواتنا! هي ما تجعلنا نتعرف علي الإنسان بداخلنا؛ لا اعتقد ابداً ان مثل هذا اصلاً يقال له "فن" و من يقول يحتاج ان يراجع السطور السابقة ليتعرف ثانية ما نقصده "بالفن".

هناك لفتة أخري مبنية علي ما سبق و متعلقة بكلام الخالق جلا و علا؛ تساءلت حيناً عن سر هذا الشعور الذي يشعر به كل من يتعامل مع القرآن؛ تلك الراحة و الطمأنينة النفسيه؟ و يمكن ان تكون الإجابة أن ما أبدعه الله في قرآنه؛ من بيان الكلمة؛ و روعة تجانس الكلمات التي تطرب حتي من لا يفقه العربية؛ و حلاوة المعني التي تمازج ذلك الطرب؛ فتنسجم مع أثمن ما فيك؛ مع قلبك و مشاعرك؛ فيقع في قلبك ذلك الشعور الذي نسمع عنه من كل من يخالط هذا القرآن حتي و إن كان اعجمياً لا يفقه لغته!

إن القرآن ينزع عن قلبك تراكمات الدنيا و ما فيها من علاقات؛ يذيب عنه ما يكسوه من الران ليل نهار؛ يعيدك إلي حقيقتك؛ و ينقلك إلي أصلك في لا وقت؛ و بلا مجهود؛ و في اي مكان!
قال الله الكبير "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ".

لا يُفهم من كلامي اني اريد ان اقصر الإبداع و الفن علي تلاوة القرآن و الإستماع إليه و إن كانت بلاشك افضل الأعمال؛ لكن الإبداع في نظري يمتد ليشمل كل نشاط يمارسه الإنسان بإتقان؛ و يضيف إليه بصمته الخاصه ... هكذا بكل بساطه اُوصِّف الإبداع؛ علي انه يشمل كل نشاط انساني برزت فيه بصمة خاصه يتلاقاها الناس بمشاعر إيجابية!

فالله الخالق المبدع خلقنا و كل منا له بصمته الخاصه التي لا تتشابه مع احد غيره؛ تلك حقيقة مذهله نعرفها جميعاً لكن لا نعمل بها...نعم انت مختلف عني؛ و لو انك اضفت بصمتك المختلفة تلك إلي كل عمل تقوم به؛ فستنتج كل لحظة إبداعاً من نوع مختلف؛ سيجد حتماً من يتذوقه!

إذن فالقرار قرارك؛ اما ان تضيف بصمتك؛ تبحث عن مواطن إختلافك؛ تتفرد بشخصيتك؛ او تعش في جلباب إبداعات الآخرين؛ و تفردهم الذاتي...لكن الأهم في النهاية انك ايضاً حكم علي ما ينتجه الآخرون من أفكار و ابداعات؛ تستطيع ان ترفض ايها؛ طالما لم تضف شيئاً لك او لمن حولك؛ او اضافت شيئاً تافهاً لا يصب في اتجاه نهضة المجتمع و تطوره الثقافي و الفكري!


في النهايه القرار قرارك؛ المهم "تبقي أصلي"!!

No comments: