Thursday, April 26

أزمة قيادة


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الثورات حسبما يبدو لي حاله من النشاط الجتمعي و الشعبي؛ يبدأ بتحرك ثقافي لفئة من المجتمع بحيث تبدأ رؤاها تتبلور بشكل مغاير للنسق العام السائد في المجتمع؛ و ما تلبث ان يصل هذا التحرك إلي النقطه "الحرجه" التي يستطيع عندها ان يكتسب تأييداً شعبياً يكفل له التضخم بشكل سريع جداً و من ثم إحداث تغيير كبير علي الأرض في وقت قصير جداً مقارنة بما يمكن ان يستغرقه هذا التغيير من وقت في حالة التحول الإصلاحي المنظم للمجتمع.

من اهم ما يميز هذه الفئة المجتمعية التي قد تعتبر هي الشرارة الأولي؛ انها لا يشترط ابداً ان يكون لها اكثرية غالبة؛ بل ان العكس هو الصحيح؛ في الغالب تكون هذه الفئة اقلية "عدديه" لكنها بشكل او بآخر تمثل "القاطرة" الفكرية للمجتمع!

مما سبق يمكن ان نستنتج انه يحدث في الثورات ظاهرتين هامتين "اراهما تحققتا في الثورة المصرية"؛ الأولي ان ثمة تغير "ثقافي" نوعي لفئة "قليله" من المجتمع هذا التغير بالتأكيد لا يعبر عن ثقافة غالبة أو طاغية علي المزاج العام لعموم الناس؛ و الثانية ان هذا التغير بعد ان يكتسب طاقته "الحرجة" ينتج عنه نشاط "حركي" كبير علي الأرض؛ ما يلبث ان يحدث بسببه تغير كبير!

و المشكلة هنا في النموذج المصري ان هذا النشاط الحركي؛ و التضخم الثوري لم يصاحبه تضخم في المد الفكري الذي قامت علي اساسه الثورة! و سبب هذه المشكلة في رأيي ان تلك الفئة التي حدث تطور في رؤيتها الثقافية؛ يفترض ان تكون "النخبة" التي تقود الشعوب؛ و اهم ميزات هذه النخبة ان يكون هواها موافق و موازٍ لهوي الشعب...و ذلك ما لم يحدث علي الإطلاق؛ فلا النخبة هي من قادت التغيير؛ و لا النخبة اصلاً يوافق هواها هوي عموم الناس؛ فالنخبة في بلادنا في وادٍ و الشعب في وادٍ آخر!

إذن فنحن بصدد تغيير حادث علي ايدي "شباب" ليسوا هم قادة الأمة الذين ينقاد الناس اليهم؛ في حين ان من ينقاد الناس اليهم؛ ربما ليس بالضرورة وصلهم هذا التغير الفكري الذي يواكب التضخم الحركي الحادث علي ارض الواقع! من هنا فإن اهم ما تعانيه الثورة المصرية من اسباب جذرية لحالة الغيبوبة التي دخلتها منذ قرابة الثلاثة اشهر هو ازمة القيادة و تفرق دم الثورة بين القبائل!

تضخم نتائج الثورة بعد تنحي المخلوع؛ جعل حمل عبئها اكبر بكثير من قدرات من اشعلوا شعلتها الأولي؛ و بطبيعة الحال تلقفها كيانات "نظامية" كبيره كان لها تواجد علي الأرض من قبل الثورة بعقود؛ منها من شارك في الثورة فعلياً كالإخوان المسلمين؛ و منها من لم يشارك و ان ايد مطالبها كالدعوة السلفية! هو بذلك ذهب معظم حمل الثورة إلي هذين الكيانين و ربما نظرة بسيطه علي نتائج انتخابات مجلس الشعب تعطيك قدراً كافياً من الإلمام بتفضيلات الشعب المصري لم يقود النشاط الحركي الهائل الذي انتجته الثورة "72% تقريباً من المقاعد موزعة بين الحرية و العدالة و النور".

هذه الكيانات توصف بأنها كيانات نظامية؛ ذات هياكل إدارية كبيره ربما توازي في بعض صورها أشكال مصغره من هياكل الدولة الإدارية! أدبيات التغيير عند تلك الكيانات لم تعرف "الثورة" كوسيلة للتغير الفعلي و إنما تعتمد و بشكل أساسي علي تغيير المجتمع بتغيير و اصلاح افراده؛ و هو ما يعتبره البعض الحل الأمثل لنهضة المجتمع. و ربما يكون هذا الإعتقاد صحيحاً لا منازعة فيه في ظل اجواء عادية؛ اما عندما نتكلم عن اجواء "ثورية" فإن الوضع و بالتأكيد مختلف.

إلي هذه المرحلة نصل الي استنتاج بسيط؛ ان تغيراً حركياً كبيراً حدث؛ لم يصحبه تضخم ثقافي و فكري موازٍ له؛ و ورثة هذا التغير الكمي الكبير كانت كيانات "نظامية" كبيرة علي ارض الواقع. يجدر الإشارة هنا إلي شئ هام ان لكلا الكيانين قادة؛ يؤثرون في اتباعهم؛ و يمثلون لهم قامات جديرة بالإحترام و الإقتداء بهم؛ إلا انهم لا يمثلون الشئ ذاته ميدانياً بمعني ان قادة الإخوان او السلفيين ليسوا قادة شعبيين؛ إنما هم قادة لأتباع الكيانين و فقط؛ حتي ان مواقف قادة الإخوان ليست بالطبع ملزمة للسلفيين او العكس.

معني هذا ان شعب ما بعد الثورة ظل بلا قائد؛ و ان الثورة ظلت مطموسة الهوية؛ مجهولة الإتجاه؛ يمكن ان يأخذها رياح التغيرات علي الساحه السياسية إلي اي اتجاه. فإن احسن الإخوان و السلفيون في اللعبة السياسية؛ فالثورة اسلامية! و ان اخفقوا و استدرجهم العسكر؛ فالثورة عسكرية؛ و علي جموع الشعب ان تستعد للبس "البيادة".

هذا التحليل المنطقي ينبئ عن جوهر بسيط لكل تلك الأزمة التي نعيشها؛ ان الكيانين الذين ورثوا الدعم الشعبي للنتاج الكمي للثورة؛ كان ينبغي عليهم ان يعملوا علي تصدير قيادتهم للمشهد من خلال إبراز قائد "أو قادة" يستطيعون ان يمثلوا النموذج المنتظر كقادة للثورة حتي يستطيعوا ضمان الحفاظ علي زخمها حتي النفس الأخير.

إلي جانب "معضلة" غياب القائد فإن "العسكري" نجح و بإقتدار في تشتيت تلك الكتلة "الحرجة" التي حركت الثورة؛ و ضربها في جميع اجنحتها مرة بعد اخري؛ بل و استطاع بكل نجاح ان يضرب بينها و بين الإخوان و السلفيين خندقاً يحتاج إلي جسور قوية من الثقة لتجاوزه!

لكن المشهد لم يقتصر علي الإخوان و السلفيين فقط؛ المشهد منذ الثورة و حتي الآن شهد بروز نموذج قابل للتطور مع الوقت ليصبح قائداً للمشهد؛ و هو ما حدث مع "حازم صلاح ابو اسماعيل" فمنذ ظهوره علي الساحة و مع مرور الوقت استطاع ان يكتسب شعبية ازدادت كل يوم و لم يتوقف معدل زيادتها حتي في اشد اووقات محنته! و ما ذلك إلا نتاج طبيعي لحالة الظمأ التي نالت من الجميع و التعطش لقائد يلتف الناس حوله! و ربما يفسر ذلك و بشئ من التدقيق طريقة خروجه من المشهد؛ إذ ان امثال هؤلاء الذين يلتف الناس حولهم؛ لا يمكن ان يُترك لهم المجال و إلا فلن يستطيع "العسكري" التعامل مع الموقف حين يصل إلي مراحله الأخيرة.

و مع تصاعد الحديث حالياً عن نوايا المجلس العسكري؛ و سيناريوهات الفترة القادمة؛ و ما يمكن ان تؤول إليه من صدام بات متوقعاً و بنسب تزداد يوماً بعد يوم؛ بات الحديث عن اهمية التفاف الناس مرة اخري حول الثورة و التصدي لمحاولات سرقتها. و الحقيقة ان الثورة و كما اوضحنا ستحتاج إلي تلك الكتلة الحرجه "المشتتة حالياً" حتي تستطيع ان تعاود نشاطها مره اخري و تكتسب ذلك التأييد الشعبي الذي انجحها!

الحل الآن من وجهة نظري يتلخص في نقاط بسيطه؛ اولها إعادة الثقه إلي جميع الأطياف الممثلة للثورة؛ دون تخوين و بصدق؛ لأنه و للأسف فإن بعض القرارات غاب فيها الشفافيه كانت عاملاً مؤثراً علي مصداقية الكيانين الإسلاميين عند التيارات الأخري. و ثانيها الحرص علي ضمان توزيع الأدوار في الساحه السياسية بشكل يتناسب مع جميع القوي الموجوده لضمان مشاركة فاعله و مؤثرة لكل التيارات.

و ثالث تلك النقاط؛ هو تصدير القادة مرة أخري إلي المشهد و قيادة الشارع بشكل اكثر فعالية من "الزيت و السكر" من خلال اختلاط نواب البرلمان بجماهير دوائرهم؛ و ظهور اعلامي مكثف و مدروس لقادة التيارات المختلفة لتوعية الشعب بمقتضيات المرحلة القادمة.

الثورة انتجت قادة علي ارض الميدان؛ منهم د. عبد المنعم ابو الفتوح؛ منهم أ. حازم صلاح ابو اسماعيل؛ و منهم ايضاً حمدين صباحي و بجانب آخرون امثال الدكتور البرادعي؛ اتسائل هل الأفضل لمصر الآن ان يقف اغلب هؤلاء متنافسون في ميدان الرئاسة ام يصطفون متعاونون في ميدان الثورة! ليس معني ذلك بالتأكيد الإلتفات عن الإنتخابات الرئاسية؛ بقدر ما معناه انني لا اتمني ان اجد هؤلاء ينشغلون لالتركيز في عيوب بعضهم و نقاط الضعف عند كل منهم للفوز بالمنصب الرفيع؛ لأن كل منهم له دور المفترض ان يستمر فيه سواء وصل إلي الكرسي او لم يصل؛ و الا فلا حاجه لنا به ان كان لا يخدم هذا الوطن الا من خلال منصب الرئيس.

No comments: