Saturday, May 7

بين الليبراليين و الإسلاميين

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الحذر الزائد عن الحد؛ التخوين الغير مبرر؛ الإنزعاج من كل خطوات الآخر؛ و الشك المفرط هي سمات السياسة المصرية في هذه الحقبة من التاريخ المصري. عندما تحاول مجرد المحاولة لفهم ما يحدث؛ تجد يومك مفعماً بأحداث لا حصر لها في توالي يؤدي بك إلي أحد أمرين إما إنك "تزهق" و ممكن يصل بك "للإحباط" أو إنك تنحاز بفعل المؤثرات لأحد الأطراف و تبدأ بالإنسياق في نفس التيار "الزلق" و تصبح جزءاً من منظومة الفوضي "الخلاقة" .

بعد الثورة و بإيجاز شديد تحرك كل من كبلته قيود النظام؛ من تيارات إسلامية "بإختلاف أطيافها" و الطبيعي أن حركة هذا المكبل طيلة سنين قد يشوبها بعض الفرح المفرط في البداية الذي قد يؤدي إلي التعثر بعض حواره السياسي خصوصاً و قد ظل محروماً من هذه الممارسة لفترات طويلة.

و علي الطرف الآخر فإن بعض التيارات الأخري و خصوصاً الليبراليين لم تكن بالثقل السياسي الكافي لإستيعاب أنهم ليسوا وحدهم علي الطاولة؛ و أن عليهم إستيعاب أنهم بجان أنهم ليسوا التيار الوحيد صاحب الرؤية السياسية في مصر؛ بل ربما أنهم ليسوا حتي الأوفر حظاً و قبولاً في الشارع المصري؛ و أسهم في تعميق هذا النقص الحاد في الإحترافية هذا الجيش الإعلامي؛ الذي من زخمه و علو صوته؛ تكاد إذا لم تتابع غيره لا تشك لثانية أن أحداً في مصر له رأي آخر.

إنعكس هذا الواقع و تبلور و تضخمت توابعه بعد إستفتاء التعديلات الدستوريه؛ إذ جاءت النتيجة عكس كل الزخم الإعلامي؛ و عكس كل ما قيل في الإعلام؛ فأي متابع للإعلام في الأيام السابقة علي الإستفتاء لا يمكن أن يتخيل أن تأتي النتيجه بهذا الشكل؛ و هنا كان التطور الكبير في العلاقة الإعلامية بين التيار الليبرالي؛ و بين التيارات السياسية الأخري؛ إذ كان المفترض أن يفيق هؤلاء إلي الواقع الحقيقي للشارع المصري.

فبدلاً من أن يطبق الليبراليون أبسط مبادئ أيدولوجياتهم و يبدأون في العمل علي حوار بناء يسهمون به في بناء مصر؛ بدلاً من أن يحاولوا تطبيق أبسط قواعد اللعبه السياسية و يتيحوا الفرصة للآخر للتعبير عن رأيه؛ بدلاً من ذلك كله وجدنا حملة إعلامية ضد التيار السلفي لا أجد لها مبرراً؛ إلا إذا أثبت لي أحدهم أن هؤلاء السلفيين هبطوا علينا من المريخ أو خرجوا من تحت الأرض و أنهم ليسوا مواطنين من حقهم التعبير عن آرائهم و أن يشاركوا في بناء مصر كما كل مصري يحب أن يشارك.

أخص هنا بالذكر السلفيين لأن الهجوم كان عليهم بخاصة و علي التيارات الإسلامية عامة؛ و كم الشائعات الذي ملئ الفضائيات و الصحف و المواقع الإلكترونية كان مهولاً و يدل علي سوء طوية بإجماع؛ و قد ثبت بمرور الأيام كذب كل هذه الإفتراءات.

إذاً و بعد التوصيف المختصر للمشهد؛ و أرجو ألا يكون الإختصار أخل به إلا أننا يمكننا القول أننا المشهد يتلخص أكثر علي نحو اننا عندنا فئتان؛ فئة هي الأعلي "صوتاً" و نفوذا علي الوسائل الإعلامية؛ و هم الليبراليون و هم بلا شك الأقل تأثيراً في الشارع المصري و هذه مفارقة غريبة؛ لها مسبباتها التي يمكن ان نخوض فيها في وقت لاحق. و الفئة الأخر هي فئة الإسلاميين و هم الأقل نفوذاً علي الإعلام إذ لا يمتلكون من الأبواب الفضائية إلا القليل و لا يسمح لهم بشكل منصف التعبير عن آرائهمفي وسائل الإعلام الأخري عموماً؛ و لكنهم "بفضل الله" أكثر تأثيراً عند العامة "في إعتقادي" و أكثر قبولاً لدي الشارع بما لهم من رصيد كفله الله عز وجل و أثبته النبي صلي الله عليه و سلم في حديثه "إذا أحب الله عبداً؛ نادي يا جبريل إني أحب فلان فأحبه؛ فينادي جبريل في أهل السماء .... فيوضع له القبول في الأرض" و ليس المقصود هنا وضع هالة القداسة علي رأس أحد؛ و لكن لمجرد الإستئناس.

الطرفان مختلفين في الأيدولوجية تماماً؛ ففريق يمم وجهة إلي أوروبا و أمريكا مستلهماً قوائم بناء الحضارة منها؛ متشبثاً بطرقتها؛ الآخر يمم وجهه نحو التراث الإسلامي يريد أن يظبط نواحي الأمة إليه؛ و أن يستلهم نواحي ماضٍ زاهرٍ مشرق؛ كنا نسود فيه العالم بأسره و تقدمنا ركب الأمم إلي تطور علمي و حضاري لم تعرف البشرية مثيلاً له. فالمنهج مختلف عند كلا الفريقين و ليس معني هذا الكلام أني أنفي حب الدين عن من ينتمون إلي التيار الآخر لكني أضبط الحقائق كما هي.

وقفة نعود بعدها للموضوع.

إذا كنت تائهاً في طريق و تريد أن تخرج من هذا التيه؛ أعتقد أن كلنا نتفق أنه يجب علي هذا التائه أن يسترجع الطريق الذي سار فيه حتي يمكنه أن يعرف متي ضل طريقه؛ و بالمثل فإن الأمم إذا أرادت أن تبني مجداً و تنشئ حضارة فعليها و لابد أن تستحضر تراثها التاريخي و تعرف ما جرت به صفحات التاريخ حتي تستطيع أن تخرج من ظلمة إلي نور؛ و ليس ابدع هنا من قول ونستون تشيرشل إذ يقول معلماً إيانا "نحن لا نتعلم السياسة؛ إقرأو التاريخ تتعلموا السياسة" و كذلك قول موشي ديان المأثور "إطمئنوا فإن العرب لا يقرأون؛ و إذا قرأو لا يفهمون؛ و إذا فهموا لا يطبقون". إذا فبشهادة أعدائنا "كمسلمين" فإن عيبنا اليوم أننا لا نقرأ؛ و لم نتعلم من دروس التاريخ.

عندما تحدثنا عن محمد علي بك الكبير؛ أوردنا قول أحد المستشرقين "جورج سارتون" عندما كان يصف الهدف من حملات إستكشاف الآثار يقول "إننا في كل بلد إسلامي دخلناه؛ نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام؛ و لسنا نطمع بطبيعه الحال أن يرتد المسلم إلي عقائد ما قبل الإسلام؛ و لكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام و تلك الحضارات". و قد راينا هذا يتحقق بالفعل حين قامت المعارك الأدبية بين "كبار" الأدباء في وقت قريب لإثبات أن مصر "فرعونية" الهوية. بل و حتي في الكرة نطلق علي المنتخب المصري إسم "منتخب الفراعنة". إذا فالتاريخ يدلنا هنا إلي نقطة مهمة جداً أن القوي الإستعمارية المناهضة للإسلام؛ أضحت أكثر خبثاً من ذي قبل فلم يعودوا يلجأون إلي الحملات العسكرية مباشرة؛ بل إنهم منهمكون بمحاولة طمث الهوية الإسلامية في النفوس و تذبذبتها بين فرعونية و قومية و وطنية؛ أي شئ المهم؛ أن ننسي أننا في الأصل مسلمون.

نعود للموضوع

بين هذين الفريقين يمكننا الآن نأن نرصد بعض معالم الفترة الحالية من خلال الإعلام مثلاً؛ و كلنا متفق علي ان الطبقة المسيطرة علي الإعلام هي الطبقة صاحبة الفكر الليبرالي؛ هذه حقيقة لا ينكرها أحد...تابع معي هذه التفاصيل:

§ إستخدام مفرط لكلمة "مصري" وطني في جميع وسائل الإعلام؛ و إندثار لكلمة "مسلم" أو "إسلامي".

§ إذا قطعت أذن قبطي "قواد" قامت الدنيا و لم تقعد (و كل التيارات أنكرت الحادثة) بينما حين تقتل أمرأة و يشنق طفلها لمجرد أنها أسلمت؛ لا يحرك الإعلام ساكنا.

§ حين يقذف الدكتور البرادعي "مثلاً" بالحجارة (و كلنا ينكر الحادثة) تقوم الدنيا و إذا إخطتفت و إحتجزت مسلمة بداخل الكنيسة "كاميليا" فالإعلام الليبرالي يقف موقف المستنكر لمطالبات المصريين؛ و معهم السلفيين بالإفراج عنها.

بل إن هذه المعالم لا تتوقف علي الإعلام بل علي خط السير الحكومي أيضاً و تابع معي:

§ رئيس الوزراء المصري الدكتور عصام شرف "الخلوق" يبقي علي "حاجة" تدعي يحي الجمل في منصبة برغم كلماته الذي أزعجت كل إنسان؛ و صوته "إن أنكر الأصوات" الذي تجرد من كل معني للحياء و راح يقذف النواقص يمينا و يساراً دون أن يحمر وجهه خجلاً مما يقول.

§ أيضاً رئيس الوزراء؛ يقرر أن يخصص مكتباً لشباب الثورة ليشاركوا في القرار؛ و جلهم لا أعلم علي أي أساس إختاروهم؛ أو من خصهم دونا عن 10 إلي 12 مليون مصري نزلوا للشوارع بأن يكونوا هم الصفوة؛ بل و من قال أصلاً بأن المشاركون في الثورة كانت غالبيتهم من الشباب و إن أردت التأكد فراجع إحصائيات الشهداء. و الحقيقة أن هؤلاء الشباب كلما رأيتهم؛ لمست فيهم رعونة و حداثة عهد بالخطاب السياسي ليس لها مثيل؛ و ربما أن الدكتور عصام لا يعلم أن بتمكينه لهؤلاء الشباب يمكن لفئة علي حساب نبض الشارع؛ فهؤلاء الشباب أؤكد أن رصيدهم في الشارع لا يتجاوز الصفر إلا بقليل بالنظر إلي القماشة العريضة للشعب المصري.

§ و هذا هو مفتي الجمهورية المصون يستقوي بأمريكا أمام أحدي طوائف الشعب في سابقة لم أجد لها مثيلاً في التاريخ.

علي الطرف الآخر بذل المنتمون للتيارات الإسلامية كل ما في وسعهم لإثبات حسن النية؛ و إبداء الرغبة في المشاركة في بناء الوطن بشكل يحقق لأبنائة الحياة الكريمة.

و هنا أورد ملاحظة هامة؛ الليبراليون إقتبسوا أيضاً من أوروبا و امريكا؛ نفس روح التعامل مع التيارات الإسلامية فمثلاً؛ في أي مطار غربي تدخله؛ لمجرد أنك مسلم؛ فإن ذلك يستدعي تدقيقا في التفتيش ليس له مثيل؛ و بالمثل فإن الليبراليون يتعاملون مع التيارات الإسلامية بنفس المنطق؛ أنت إسلامي أثبت أنك لا تحمل قنابل "فكرية" و متفجرات "أيدولوجية"؛ أثبت حسن نيتك؛ أثبت؛ و أثبت؛ و أثبت....نفس نظرية الإتهام البغيضة؛ و فزاعة الإسلام التي إستخدمها من قبل مبارك و العادلي.

حتي انك تري اليوم إتهاماً صريحاً من الليبراليين....الإخوان المسلمون يريدون أن يجعلوا مصر بلداً إسلامية؛ و السؤال الذي يقفز إلي زهني؛ و هل تريدها انت "غير" إسلامية....!!!؟

بعد هذا الشرح المبسط للصورة؛ هل تعتقد أن هذان الطرفان لا يمكن ان يلتقيا في نقطة؛ لا يمكن ان يعملا سوياً لمصلحة هذا الوطن...بالطبع ممكن؛ و بشروط بسيطة:

§ أن تكون النوايا خالصة؛ ليس فيها مصلحة شخصية.

§ أن يعرف كل طرف حجمه الفعلي؛ ليس معني ان نقلل من حجم تيارات؛ لكن أن يحترم كل منا الآخر.

§ أن تنفتح عقولنا؛ مطبقين فقه الأولويات؛ و آخذين بمبادئ ديننا في التعامل مع الآخر.

§ أن يتخلص كل من الطرفين من نظرية إمتلاك الحق المطلق؛ و سيطرة فكرة أن تياراً واحداً يستأثر بمفردات بناء مصر في المرحلة القادمة

الموضوع اكبر من ان ينتهي في سطور؛ لكن حتي لا يمل القارئ أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم