Friday, April 29

الثقافة الإسلامية..بين التحدي و المواجهة

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

يمتلئ مجتمعنا اليوم بكثير من الجدل و النقاش؛ الذي يصل إلي حد الصراع بين جميع تياراته؛ نتيجة لغياب ثقافة قبول الرأي الآخر و إضمحلال المنهج العلمي في الإختلاف؛ فليس كل إختلاف في الرأي ينبغي أن يؤدي إلي خلافٍ بين أصحاب الآراء المختلفة بل المفترض أن ينتج هذا التنوع و الإختلاف ثراءاً في الحياة الثقافية؛ و لكن شريطة أن ينطلق هذا الخلاف من مرجعية ثابته.

إنطلاقاً من المقدمة البسيطه التي قدمت بها؛ وجدت أنه من المهم في هذه الأيام أن نحاول الوقوف بشكل منهجي؛ علمي علي أسباب هذا الشقا الثقافي الذي نجده أمامنا علي الساحة الثقافية؛ الإسلامية عامة؛ و المصرية خاصة.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

يعرف الباحثون "المجتمع" علي أنه "مظلة لمجموعه من العلاقات و العقائد و التوجهات و التطور التاريخي المشترك بين مجموعة من الناس"

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

هذا التعريف مهم جداً لننطلق منه إلي توصيف المشكلات التي تواجهنا بشكل دقيق؛ فلا نظن أن حضارة أكدت علي أهمية التجانس الثقافي بين أبناء الأمة الواحدة مثل الحضارة الإسلامية؛ و هذا واضح في "وثيقة المدينة" و التي أيسر ما يمكنك أن تسنبطه منها أنّ أيدي المؤمنين جميعاً ومَن عاهدهم من اليهود على مَن بغى وظلم وأفسد ، ولو كان ابن أحدهم؛ فتري كيف أن وحدة المجتمع كانت ذات أهمية قصوي عند المسلمين.

و علي الصعيد الإسلامي الداخلي فإن الإسلام أعطي أولوية كبري لنشر العلم بالعقيدة و الأحكام الأساسية الأولويه علي كل شئ بل و جعل التقرب لله –تعالي- بنشر العلم من أعظم القربات. و توحيد مصادر التلقي من أهم العوامل التي تؤدي إلي بناء مجتمع علي أسس الفكر و العقيدة لا علي أساس القبلية و العصبية أو حتي المنافع المادية.

و الإسلام يريد من أبنائه ألا يكونوا نسخاً مكررة عن أصل واحد؛ إذ أن ذلك يؤدي إلي فقر مدقع في الحياة الثقافية؛ كما يؤدي إلي الجمود و الخمول عن الإبتكار. و لكن الإسلام يرفض في الوقت ذاته أن تتحول أوطان المسلمين إلي ساحات حرب ثقافية تطرح فيها أصول الهوية و الإنتماء و التوجهات الأساسية للأمة للجدل و النقاش و النزاع. لأن ذلك بالتأكيد يستهلك طاقات الأمة؛ و يقطع عليها الطريق نحو أي إنجاز حضاري.

و خلاصة ذلك أن الإسلام حريص علي صون الثوابت من العبث؛ و الدين نفسه هو الذي يحدد الثوابت و الأصول؛ و علي التخطيط الثقافي أن يستجيب لذلك بصورة كلية. و هو في الوقت ذاته يحث علي الإبتكار و الإجتهاد و الإستنباط؛ و الإستفادة من الخبرات العالمية في كل المجالات؛ بما لا يتصادم مع تلك الثوابت و الأصول التي قدمنا لها.

و يشهد التاريخ علي ذلك؛ فقد كان المسلمون أيام إقبال الإسلام و نهضته أقرب للإبداع و التجديد و قابلية التنوع؛ حيث أنتجت الأمة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولي من الآراء و الأفكار و الانظمة ما لم تنتجه في عشرة قرون من عهود الإعراض عن الدين و الركود عن تجديد وظائف الدين.

يبقي أن نشير إلي إشارة هامة في هذا المقام

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

إن الأمة التي تستطيع إيقاف خلافتها عند حدود معينة تستطيع أن تجعل منها عامل تنوع و ثراء حيث لا غني للإبداع عن هوامش من الحرية الثقافية

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

و من ثم فإننا هنا إذ نبحث عن أسباب الشقاق الثقافي؛ نتحدث عن ذلك الشقاق الذي يصيب الأرضية الثقافية المشتركة للمجتمع؛ مما قد يحوله إلي مجموعات من المنظومات المتصادمة المتصلبة؛ و من تلك الأسباب:

دفق الثقافة الأجنبية:

نتج عن التواصل العجيب بين "حارات الكرة الأرضية" نوع من الإمتزاج بين الثقافات لم يعهده بني الإنسان من قبل؛ و ربما أثار هذا في عقول الناس – و لا سيما- الصفوة منهم نوعاً من اللجوء للمقارنة و ثقافة النقد نتيجة للفوارق الكبيرة بين واقع المسلمين و أمتهم و واقع المجتمعات الغربية و يكفي في ذلك ما نراه من تبعية مهينة للغرب في كل شئ؛ من أول المنتجات الصناعية التي تحيطنا؛ إلي القرارات السياسية التي لا تخلو من إنصياع لأوامر القوي الغربية.

لا يقف الامر عند ذلك بل صاحب هذا الإمتزاج؛ دعوات جادة أنفقت عليها البلايين؛ و هي مناقضة في مضامينها لكثير من الثوابت الإسلامية الأساسية في الإقتصاد و الفلسفة و الإحتماع و غيرها. و أكمل ذلك عامل ثالث و هو تشبع بعض أبناء المسلمين بالثقافة الغربية عن طريق الدراسة بالخارج أو عن طريق القراءة و الإستماع.

و نتج عن هذا خروج اجيال من المسلمين تشكك في القرآن السنة؛ ربما لم يصدر هذا التشكيك صراحة بلسان القول؛ و لكن برز هذا التشكيك في صورة إعتراضات علي صلاحية الإسلام لقيادة الحياة؛ و قد سار هؤلاء إلي أسوأ ما في التاريخ الإسلامي من أحداث و وقائع "يدينها الإسلام نفسه" فأبرزوه و صوروه للناس علي أنه نتاج للإسلام و معطياته؛ و كان من جملة ردود الفعل أن عمد أهل الغيرة علي الإسلام إلي خير ما في التراث؛ فأخرجوه للناس علي أنه يمثل التراث كلة؛ و كانت النتيجة أن أصبح الناس فريقين متضادي الإتجاه لا يجمع بينهم إلا عبقرية المكان.

بقي ان نشير في هذه الجزئية إلي حقيقة مهمه؛ و هي أن الثقافة الغربية التي تقدم نفسها علي أنها نموذجاً يُحتذي به علي كافة المستويات؛ و في جميع المجالات؛ أو هكذا يراها بعض المثقفين. و بالتالي فإن المطلوب من الأمة أن تحاول اللحاق بركب الحضارة الغربية مهما كان ذلك ممكناً؛ و لا يتوقف الأمر عند حد المطالبة بمضاهاة الحضاره الغربية بل يمتد إلي جعل الإنجاز الغربي مقياساً لصحة ثقافتنا و مدي نقدمنا. و هذا أدي بالبعض إلي محاولة تخطيم كل البنايات الثقافية و الإجتماعيه للحضارة الإسلامية؛ أملاً في تهيئت التربة لغراس غربي معطاء.

إلا أن الحقيقة أن الحضارة الغربية "المزدهرة من وجهة نظر البعض" هي في النهاية إنجاز تاريخي لا يتسم بسمة الثبات و الإستقرار؛ و هناك الآن كثير من الشكوي من بعض إفرازاته و نتائجه علي أكثر من صعيد. و من ثم فإن بعض المثقفين "المتغربين" قد غضوا الطرف عن العنصر المحوري في الحضارة الغربية و هو عنص التطور التاريخي؛ إذ أن الحضارة الغربية الثمار اللانهائية لكل التفاعلات التي تمت في الغرب من خلال القرون الخمس الماضية بالإضافة إلي الموازانات العميقة المتجذرة في الشخصية الغربية؛ و من ثم فنقل التجربة إلي المجتمعات الإسلامية يعني إغفالاً خطيراً للفوارق الأساسية التي تفصلنا عنهم؛ و العاقبة ستكون انه بعد هدم البُني التقليدية المحلية؛ قد لا يكون هناك إمكانية لإقامة بنيات حديثة علي النسق الغربي بناءاً علي هذا الفارق المحوري. و ربما أن هذا ما حدث بالفعل؛ فعلي مر 100 عام من الكاتابات لمفكرين جعلوا الغرب قبلة لهم ك "طه حسين" و غيره؛ كان الهدف إرساء ثقافة محاكية للغرب إلا أن النتاج الوحيد كان إتساع الهوة بيننا و بينهم علي جميع الصُعُد.

ثم إنه من الخطأ أن نظن أنه يمكن تغيير المعتقدات من خلال البحوث و الدراسات؛ إذ أن الواقع يثبت أن الإنسان قد يجمع بداخله بين عقيدة بالية؛ و بين أرقي الثقافات الإنتاجية المعاصرة؛ و يمكنك التأكد من ذلك بنظرة بسيطه علي أقصي يمين خارطة العالم عندما تقع عينك علي النمر الأسيوية و اليابان؛ فهم يجمعون بين أعلي التقنيات العالمية و بين عبادة "بوذا" أو "الأبقار" في أحسن أحوالهم و العياذ بالله. فهل من المتصور أن تقضي علي عقيدة نقية سامية مثل عقيدة التوحيد المنبثقة من الوحي الإلهي.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

إن مهمة الدراسات و التقنيات ان توفر أحسن الأجواء و الشروط لتفعيل العقائد و زيادة وعي المجتمع بها؛ و ليس أكثر من ذلك.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

إلي هنا إنتهي كلامنا عن السبب الأول من أسباب الشقاق الثقافي علي أن نواصل في حلقات قادمة بعض الأسباب الأخري؛ و مقدماً سيكون السبب الثاني هو الركود الحضاري.

الموضوع منقول بشئ من التصرف من كتاب "المسلمون بين التحدي و المواجهة" و هو من خمسة مجلدات ننقل هنا من المجلد الأول "نحو فهم أعمق للواقع الإسلامي"...و الكتاب لصاحبه و مؤلفة المبدع الدكتور عبد الكريم بكار.

1 comment:

Anonymous said...

لماذا السكوت على تفشي زنا المحارم في القاهرة والجيزة