Sunday, February 13

تاريخ الماده الثانيه من الدستور المصري

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

بعد حمد الله علي جميع نعمه؛ يدور الجدل اليوم في مصر حول تغيرات الدستور المصري؛ و من أهم ما يدور الحديث حوله هو التمهيد لعلمنة مصر؛ و إنتزاع هويتها الإسلاميه الأصيله؛ من خلال محاولات إلغاء الماده الثانيه من الدستور المصري؛ وجدت أن الكثيرين منا لا يعلمون شيئاً عن هذه الماده و أفكارهم مشوشه تقريباً فيما يتعلق بتاريخها؛ فآثرت إلا أن أقدم بدايةً بين يديكم بحثاً تاريخياً موثقاً عن الماده و نشأتها و تطورها عبر دساتير مصر المختلفه؛ عسي ذلك يكون بدايه لتواصل فكري حول أهمية الماده و ما يراد بمصر من وراء إلغائها...

أصل المادة الثانية ومنشؤها

من أين ظهرت المادة ‏2‏ من الدستور؟‏ إن أصلها الدستوري يرد من المادة ‏149‏ من دستور مصر في سنة ‏1923‏ الذي استمر معمولا به حتى‏ 1953‏، وهي المادة الأولى من الباب السادس من الدستور وعنوانه: أحكام عامة، ونصت على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية‏.‏ وكانت شكلت لجنة وضع هذا الدستور في أبريل سنة ‏1922‏ من ثلاثين عضوا، عدا رئيسها حسين رشدي باشا رئيس الوزارة السابق ونائب رئيسها أحمد حشمت باشا وزير المعارف السابق، وكان أعضاؤها الثلاثون من النخب السياسية العليا ذات الاتصال الوثيق بالحكم ورجاله، وهم إما من رجال السياسة المتصلين بالملك، وإما من رجال حزب الأحرار الدستوريين،وهم جلهم من ذوي التعليم والثقافة غير التقليدية، وليس فيهم من يمكن أن يكون ممثلا لما نسميه اليوم بالتيار السياسي الإسلامي، وجلهم ذوو تعليم حديث ونزوع ثقافي آخذ من الفكر الوافد ومدارسه، مثل: علي ماهر، وعبد اللطيف المكباتي، وعبد الحميد بدوي، ومحمد علي علوبة، وعبد العزيز فهمي، وإبراهيم الهلباوي، وفيها من ذوي الثقافة والتعليم الديني الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق، والسيد عبد الحميد البكري شيخ الطرق ونقيب الأشراف، والشيخ محمد خيرت راضي، كما كان فيها من المسيحيين يوسف سابا باشا، وقليني فهمي باشا، وإلياس عوض بك، وتوفيق دوس بك، كما كان عضوا بها الأنبا يؤانس نائب البطريرك وقتها، وهو من تولي البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس الخامس في سنة ‏1927‏، واستمر بطريركا بضع عشرة سنة حتى وفاته، كما كان فيها يوسف أصلان قطاوي باشا من اليهود‏.‏

وتذكر مضابط أعمال اللجنة أن لجنة وضع المبادئ اقترح عليها الشيخ محمد بخيت في ‏19‏ مايو سنة ‏1922‏ أن ينص الدستور على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، فطرح الرئيس حسين رشدي باشا الاقتراح للتصويت فتقرر بالإجماع قبوله‏..‏ ولما تلا النص في اللجنة العامة في ‏14‏ أغسطس ‏1922‏ قررت الهيئة الموافقة عليه بالإجماع، وتلا نص المادة بجلسة ‏3‏ أكتوبر ‏1922‏، فوافقت الهيئة عليه بالإجماع، ومعنى ذلك أنهبمجرد اقتراح هذا النص ووفق عليه بالإجماع بغير تحفظ ولا مناقشة، وبغير أن يظهر أنه أثار حرجًا أو قلقًا أو عنتًا، وذلك في جو فكري يفوح في فكره عبير الليبرالية، والإجماع يشمل هنا أعضاء اللجنة غير المسلمين، وهم يبلغون نسبة تشارف ‏20%‏ من العدد الكلي، وأن من يطالع أعمال هذا الدستور إبان إعداده في داخل اللجنة أو في خارجها على صفحات الصحف، يعرف إلى أي مدى كُفل لإعداده جو من حرية التعبير ومناقشة سلطات الملك والشعب والتمثيل النسبي لغير المسلمين وغير ذلك، كفل له من ذلك ما يكشف عن أن الرضاء الذي قوبل به نص دين الدولة كان يفيد القبول الأوسع والأشمل‏.‏

لقد كان الجميع على وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة بمصر، ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية، لذلك انتهوا إلى أن دين الدولة الرسمي الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية قولا واحدا لم يكن بحاجة إلى جدل، وهو تقرير لأمر واقع‏.‏

والحاصل بعد ذلك، أن هذا الحكم الدستوري ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور‏1930 (‏استمر نحو خمس سنوات ثم عاد دستور ‏1923)‏ ودستور‏1956‏ في عهد ثورة ‏23‏ يوليو ‏1952، ودستور ‏1964‏، ودستور‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك إلا دستور ‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا، بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري، وقد زال بانفصال سوريا في‏1961.‏

وإن دلالة استمرار النص على دين الدولة الرسمي الإسلام عبر الدساتير المختلفة دلالة مهمة جدًّا؛ لأن مقارنة هذه الدساتير بعضها ببعض تكشف عن أنه لم يكن ثمة نظام دائم لمصر على هذا المدى،‏ فيما عدا الإقرار بعدد من المسلمات؛ منها أن دين الدولة الرسمي الإسلام‏.

كانت هذه الدساتير تتراوح بين النظام الملكي والنظام الجمهوري، وتتراوح بين الملكية المستبدة ‏(1930م)‏ والملكية البرلمانية ‏(1923)‏، وتتراوح في النظام الجمهوري بين النظام الرئاسي والنظام القريب من البرلماني، وتتراوح بين نظام الحزب الواحد ونظام تعدد الأحزاب، وتتراوح بين النظام الاشتراكي القائم على تقييد الملكية العامة وبين النظام الرأسمالي الذي يطلق حرية الملكية الخاصة، وبين...‏ وبين... إلخ.

ولكن بقيت اللغة عربية والدين الإسلامي،‏ وهذا يكشف وجه الثبات الذي لا يوجده الدستور، ولكنه لا يملك إلا أن يعترف به، ويكشف عن أنه نص حاكم لغيره وليس محكومًا بغيره، والمعنى هنا يستفاد بالاستقراء العلمي للتجربة التاريخية للأمة ودولتها‏.‏

معنى دين الدولة الرسمي الإسلام

معنى أن يكون دين الدولة الرسمي الإسلام أن تكون مرجعيتها الفكرية إسلامية، وأن تكون هذه المرجعية الإسلامية إنما تترجح من داخلها الآراء والاجتهادات لما أورده الدستور من مبادئ أخرى تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات،وذلك كله في إطار ما تسعه المرجعية الشرعية وما تتقبله بأي من وجوه الاجتهاد الفقهي المعتبر مما يلائم أوضاع الزمان والمكان وتغير المصالح العامة للأمة‏.‏

ومعناه أيضا أن يكون النظام العام الذي تشير إليه القوانين مشمولاً بهذه المبادئ والقيم، وما تتوافق عليه الجماعة‏.‏ وسنلاحظ تاريخيًّا أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، ومصدرية التشريع تعني مرجعيته، وتشير إلى المورد الذي تستقي منه الأحكام‏؛ لأن دين الهيئة إنما يعني مصدريتها، وإلا كان النص لغوا‏.‏

والحاصل أنه لما وضع هذا النص في دستور ‏1923، لم يظهر سريعا هذا المعنى المستفاد صراحة، أو لم يظهر ظهورا كاملا؛ لأن استقلال مصر الذي عبر عنه هذا الدستور كان استقلالا منقوصا، فهو استقلال يصدعه الوجود العسكري البريطاني في مصر، وينعكس في إرادة سياسية أجنبية استعمارية، كما كان يصدعه وجود الامتيازات الأجنبية‏.‏ فلم تكن مصر مكتملة السيادة فيما تصدر من تشريعات لا تطبق على الأجانب إلا بموافقة المحكمة المختلطة، ولم تكن مكتملة السيادة القضائية لانحسار سلطة القضاء المصري الوطني عن الأجانب كلهم، وعن كل المنازعات التي يكون الأجنبي طرفا فيها، حتى لو كانت منازعات ضد المصريين أو ضد حكومة مصر‏.

لذلك لم يمكن أن ينعكس حكم هذا النص على الواقع التشريعي سريعا، ولم يتحقق الاستقلال التشريعي لمصر إلا بعد إبرام اتفاقية منترو في ‏1937‏ التي أنهت الامتيازات الأجنبية، ولم تنته المحاكم المختلطة طبقًا لهذه الاتفاقية وتسترد مصر سيادتها القضائية كاملة إلا في ‏1949.‏

ومع بدء الاستقلال التشريعي بدأت في مصر مرحلة إعداد مجموعات من التشريعات، كان أشهرها طبعا القانون المدني الذي استغرق العمل فيه بضع عشرة سنة حتى صدر في ‏1948‏، وبدأ تطبيقه مع إلغاء المحاكم المختلطة في أكتوبر ‏1949.‏ وكان نص مادته الأولى أنه عند غياب النصوص التشريعية يرجع القاضي إلى العرف، فإن لم يجد لجأ إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإن لم يجد لجأ إلى القانون الطبيعي وقواعد العدالة‏.‏ ويتعين ألا نفهم خطأ من تقديم القانون المدني للعرف على الشريعة الإسلامية أنه تفضيل له عليها؛ لأن من يعرف مصر يعرف أنه لا يقوم بها عرف معترف به من الناس، ومعترف بالالتزام به بينهم، لا يقوم عرف بها ويكون مخالفا لمبادئ الشريعة الإسلامية‏.‏

ونحن نلحظ أنمن أعاد الفاعلية للكثير من أحكام الشريعة في الدراسات المقارنة ومن طالب بها هم مجموعات من الفقهاء المحدثين وعلماء القانون،وعلى رأسهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري؛ ذلك لأنه ليس هناك أجدر من هؤلاء معرفة بعمق الفقه الإسلامي ومبادئه القانونية وقدرته بمناهجه التفسيرية على التجدد‏.‏وهؤلاء في غالبهم هم من خريجي كليات الحقوق التي لم تكن لها صلة عضوية بالأزهر الشريف، ولم يكن بها من الأزهريين إلا الأعلام الذين يدرسون الفقه الإسلامي، بحسبانه مادة واحدة في كل سنة، والغالبية من الأساتذة هم ممن درسوا الفقه الفرنسي بمصر وفرنسا،‏فلم يكن من هؤلاء من يسمى الآن بالتيار الإسلامي أو التيار السياسي الإسلامي‏.‏

وأنا أذكر أن من هؤلاء الأساتذة الذين درسنا على أيديهم الدكتور شفيق شحاتة، وهو فقيه قبطي مصري، كانت دراساته غاية في العمق، وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الإسلامي، وبعد سنوات عرفنا أن رسالته للدكتوراة كانت عن نظرية الالتزامات في القانون المدني على المذهب الحنفي، وكان الأستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد إبراهيم‏.‏

فالشريعة الإسلامية فيها جانب ديني عند المسلم، وهي عند المسيحي فقه وأحكام ووجهات نظر‏.‏ ومنذ الثلاثينيات من القرن العشرين اعترفت المجامع الفقهية الدولية بها باعتبارها من المدارس في الفقه العالمي‏.

هل صارت مصر إسلامية بقرار السادات؟

إن العرض السابق يظهر بجلاء أن المادة ‏2‏ من دستور ‏1971‏ لم يضعها الرئيس السادات من عنده ليكسب شعبية زائفة،‏ ولا كانت مجرد نص مصطنع ليدغدغ به عواطف الجهلة‏.‏ والنص موجود من ‏1923‏ بإجماع واضعيه، وباق أيضا باستقراء تاريخي كامل، وهو أثبت من غيره إطلاقا‏.‏ وهو ليس نصا يقوم به حزب أو جماعة سياسية من أجل الانتشار ودغدغة العواطف، ودين الدولة الإسلام يقتضي بذاته الجزم بمصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع، وإلا كان النص لغوا، وليس يصح في الأذهان أن يكون أثبت نص في الدستور هو ما يوصف بكونه لغوا،‏ ولا يصح في الأذهان قط أن يقال: إن المجتمع المصري عرف الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع منذ اعتلاء السادات أريكة حكم مصر في ‏1971‏، وإنه عرف الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع منذ شهر مايو سنة ‏1981‏ بالتعديل الدستوري الذي أدخله السادات‏.‏ والسؤال العجيب هو‏:‏ هل صارت مصر إسلامية بقرار من الرئيس السادات ولم تكن كذلك قبله؟

أنا لا أجحد حقيقة أن الرئيس السادات إنما أراد بهذا النص أن يؤلف قلوب المصريين؛ ليتمكن من تعديل الدستور بما يتيح له الترشيح للرئاسة لأكثر من مدتين، ولكن هذا لا يعني أن مصدرية الشريعة الإسلامية كانت أمرا غير وارد ولا مهم،‏ بلإن محاولته استغلال هذا الهدف الشعبي العام لتحقيق مصلحة ذاتية له في أمر آخر إنما هو إقرار بأهمية هذا الهدف العام، وإلا لما كان سانحا له أن يؤلف به القلوب‏.‏

ونحن نعرف في مناهج تحليل الأحداث التاريخية أن الحدث التاريخي أو الحدث العام الذي يشمل أو يؤثر في جماعة كبيرة يندر أن يكون له سبب وحيد، إنما هي مجموعة من الأسباب تتجمع لإحداثه بأثره البعيد، وفي وقت محدد بعينه، وفي مكان معين‏.‏ هناك ما يمكن أن نسميه وعاء السببية لهذا الحدث، أو مجموعة الأسباب المحدثة له.‏ ونقول أيضا: إن أمرا حدث عندما توافرت أسبابه وانتفت موانعه؛ لأن السبب عندما يتوافر يمكن أن يبطله مانع معاصر له أو لاحق عليه‏.‏ وتتراوح الأسباب بين الجوهري والثانوي، وبين العام والخاص، وكل ذلك يؤثر في تشكيل الحدث، وفي أنواع الآثار التي تترتب عليه‏.‏

فمثلا، اشتعال الحرب العالمية الثانية في سبتمبر ‏1939، وهي الحرب التي استمرت على نطاق العالم لمدة ست سنوات، وحطمت مدنا ودولا، وقتلت عددا من البشر يتراوح بين ‏32‏ و‏60‏ مليون شخص، حسب اختلاف التقديرات‏.‏ هذه الحرب يمكن أن يقال: إن سببها هو احتلال هتلر زعيم ألمانيا النازية وقتها لميناء دانزج التابع لبولندا رغبة في التوسع والمجد الذاتي للزعيم الدكتاتور، ويمكن أن يقال: إن سببها أن هذا الميناء متنازع عليه تاريخيا بين ألمانيا وبولندا، ويمكن أن يقال: إن ألمانيا كانت تثأر لنفسها مما فرض عليها من هزيمة في الحرب العالمية الأولى ‏(1914‏ـ ‏1918)، ويمكن أن يقال: إنه صراع عالمي بين الدول الاستعمارية الكبرى حول إعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بينها حسب قوتها المتغيرة‏.‏ وكل هذه الأسباب صحيحة، وإن تجمعها بين سبب خاص وسبب عام هو ما أدى إلى حدوث الحرب في وقت معين ومكان محدد، وشمولها للعالم واستمرارها سنوات‏.‏

ومثلا النحاس باشا رئيس الوزارة الوفدية بمصر ألغى معاهدة ‏1936‏ بين مصر وبريطانيا، وذلك في أكتوبر سنة‏1951، وكان ذلك استجابة لمطلب شعبي وطني شامل، كما كان استجابة لتراث الوفد الوطني وقتها، كما كان من شأنه أن يقوي وزارة الوفد ضد مؤامرات القصر الملكي ويضعف المعارضة الشعبية ضدها‏..‏ وكل هذه الأسباب صحيحة، وإن تجمعها هو ما قام به الحدث من وزارة معينة في تاريخ محدد، وامتد أثره من بعد فيما لا وجه لتكراره الآن‏.‏

وبالمثل فإن نص المادة ‏2‏ من دستور‏ 1971 هو أولا سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أو المصدرية، والسادات أراد أن يؤلف قلوب المصريين لنفسه بأن يستجيب لمطلب لديهم له هذه الأهمية‏.‏

No comments: