Saturday, April 11

اللهم دبر لي فإني لا أحسن التدبير

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الحذر لا يمنع القدر؛ عباره لطالما كنت أسمعها؛ و أبداً لم أدرك معناها علي حقيقته إلا هذه الأيام؛ فالمعروف و الثابت أننا مأمورون بالأخذ بالأسباب؛ و تحري الدقه في قرارتنا؛ و خصوصاً المصيري منها؛ لكن ذلك الأخذ بالأسباب؛ لا يضمن لك علي الدوام الإتيان بالنتائج علي مرادك و كما يتمناه خيالك؛ بل إنه لربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ و هذه هي روعة الإيمان بالقضاء و القدر؛ و مثل هذه المواقف لا ينفعك فيها غير تدبر قول الله عز و جل.

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ

و للوقوف علي الصوره الكامله؛ يجب أن نلتفت إلي عدة نقاط:

أولها: أنه أحياناً نتخيل أننا أخذنا بالأسباب كلها؛ و لم نوفق؛ فمثلاً طالب؛ أخذ بأسباب النجاح؛ فحضر المحاضرات و ذاكر المقررات؛ و لكنه كان يعق أبواه مثلاً؛ هو في هذه الحاله أخذ بالأسباب الدنيويه؛ من حضور و مذاكره؛ و لكنه لم يحصل أسباباً دينيه لها إرتباط مباشر بحياته؛ فغضب والديه عليه قد يصير هو آداة الهدم لما يبنيه بمذاكرته و إجتهاده في العلم.

فيجب أن يلتفت العبد إلي أن الأسباب ليست فقط هي أسباب الدنيا و إنما ربما الأهم منها هو الإلتفات إلي أسباب الآخره من إتباع لأوامر الشرع و إجتناب لنواهيه فبه يٌنال رضا الرب؛ و به يهون كل كرب.

و ثانيها: أنه ربما يأخذ العبد بأسباب الدنيا و الآخره ثم تأتي النتائج علي عكس ما يتمني و يرجوه؛ و هنا عين البلاء و تتجلي وقتها صلابة إيمان العبد و قوة يقينه في الله جل و علا؛ و في هذه الأحيان قد يضعف العبد؛ و هو الذي شيمته الضعف؛ و تقل ثقته في ربه و لكي يتجنب هذا؛ لنسأل سؤالاً واحداً؛ ما هو مقدار علمك إلي علم الله سبحانه و تعالي؛ و الجواب بالطبع أن الله وسع كل شئٍ علماً و أحصي كل شئ عدداً؛ و أنا لانعلم إلا ما نري و لو تدبرنا الآية السابقه؛ لوجدناها واقعةُ في حياتنا كل يوم؛ و بل و تحدث كل ساعه؛ أشياء كنا نكرهها؛ و يتضح أن فيها لنا الخير؛ و أخري كنا نتمناها و نهواها؛ و هي موطن الداء و الشر.

و ثالثها: و هو متعلقُ بالأول مرتبط به؛ ألا و هو ذنوب الخلوات التي هي سبب الإنتكاسات و موطن العلات؛ و كلنا إلا من رحم الله قد يكون واقع في ذنب؛ كلما خلا حدثته به نفسه و راوده عنه شيطانه؛ فوقع به و إنتهك ستر الله عليه؛ و هو يذنب و الله سبحانه الكريم يستر؛ و هو يتمادي؛ و الله جل في علاه يمهل؛ حتي إذا جاوز الحد وبلغ من المدي أقصاه؛ أخذه الله -و نعوذ بالله من أخذه إذا أخذ؛ إن أخذِه أليم شديد- أخذ عزيز مقتدر؛ و هنا يكون البلاء من الله –و نعم الشئ إن كان- فالبلاء معناه مغفرة للذنوب؛ و رفعة للدرجات؛ و لكن المهم هنا الإلتفات إلي تلك الحقيقه؛ أنه قد جائك البلاء لتتوب و تعود و تلتفت إلي حالك فتصلحه؛ و لكنك إن تماديت؛ فلربما يكون الإبعاد و العياذ بالله.

و ذنوب الخلوات لها أخوات؛ شبيهةٌ لها في أثرها علي حياة العبد؛ و هي ذنوب الإصرار و المدوامه بلا إنقطاع و لا إنحصار؛ و ما أكثرها في حياتنا؛ فمثلاً الأغاني و النميمه و الغيبه؛ و سوء الظن بالناس و ما شابهها من أشياء نواقعها يوماً بيوم؛ و من زحام الحياه نغفل عن الإلتفات إليها فضلاً عن علاجها؛ و هي تفتك بالحسنات؛ و تدمر الآخره؛ كما أنها تفسد القلب و تخربه و تجعله أبعد عن توفيق الرب سبحانه و تعالي.

و رابعها: و هو محاولة الحل و في كل تلك الأحوال؛ و علي كل هذه الهيئات؛ فليكن لسانك بالحمد دائماً و قلبك بالذكر حاضراً؛ و جوارحك للكريم المنان معترفةُ بالإكرام؛ فكم من نعمة من بها الله عليك لم تحمده عليها؛ فأنظر كم من حولك حرمه الله و أعطاك؛ فلو تحليت بتلك النظره هانت عليك مصيبتك و خيبة أملك في رجاك الحالي؛ و إنتظرت ببصيرة الأمل فرج من الله قريب فحدث نفسك بقوله تعالي جل سبحانه في علاه إذ يقول.

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)

و إنتظر ذلك الفرج الذي هو يقيناً آت آت؛ و أنت في طريق إصلاح قلبك عامل مجتهد؛ و لربك راج مبتهل؛ حتي إذا ما جاء الفرج تهللت إليه نفسك؛ و حمدت الله ربك؛ الذي هو بك أرأف من أمك؛ سبحانه و تعالي؛ فإنه كريم يأبي ان تمتد إليه يد عبده فيردها خاويه؛ و لكن ليبقي العبد علي حاله؛ ممدوةُ يده مرفوعةُ إلي السماء؛ مكسورة عينه كلما شاهدت قبيح صنعه مع من بث الروح بين أضلعه؛ ذليل قلبه علي باب ربه الذي خلقه فأحسن الخلق سبحانه؛ راجٍ عفوه مبتهلاً له سبحانه.

و أخيراً: خذ مني هذا الدعاء

اللهم دبر لي فإني لا أحسن التدبير