Thursday, May 22

متحلبوناش

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تختلف نظم الإداره من مكان إلي آخر و من مؤسسه إلي أخري؛ و لكن الجميع يعلم علم اليقين أننا و في مصر بشكل عام و عام جداً؛ نعاني نوع من التخلف الإداري في أي مكان تدخل الجنسيه المصريه في إدارته؛ و ينبغ ذلك الحس الإداري المتخلف المصري نتيجة لوجود بعض الجهابزه الذين يعتقدون إعتقاداً جازماً بأنهم عباقرة الأداره؛ في حين أنهم و في الحقيقه؛ مجرد أدوات هدم و تطفيش لأي كفاءات موجوده أو حتي يُحتمل وجودها.

الفارق بين الإداره الأجنبيه؛ و الإداره المصريه فارق بسيط جداً أوضحه لكم في السطور التاليه

النظامين يتعاملون مع الموظف علي أنه جاموسه

نعم جاموسه.

كل هدفه حلبها. النظام المصري؛ يدخل الجاموسه علي غرفة الحلب داخل غرفه صماء؛ ليس بها إلا هذا الرجل الذي يطلق ليداه العنان؛ ليقوم بحلب الجاموسه؛ حلب مجحف.

النظام الأجنبي؛ يأخذ الجاموسه إلي نفس غرفة الحلب؛ ليقوم بحلبها؛ و لكنه في نفس الوقت يملأ الغرف برسيم؛ و في حين تستعد الجاموسه لمد بوزها الأنيق لأكل البرسيم؛ و إطلاق العنان لفكيها لمضغه بمنتهي الإستمتاع؛ حتي أنك تنبهر بحركة شفتيرها و هما تتحركان و كأنما تستمتعان بأنغام مضغ البرسيم؛ في هذا الوقت يبدأ الرجل الأنيق في حلب الجاموسه بمنتهي الرفق؛ ليأخذ منها كل ما تحمل من لبن

النظام المصري يرد علي هذا بأنه يوفر ثمن البرسيم

إلا أن النظام الأجنبي؛ يرد مستهزئاً؛ و هو البرسيم هيروح فين م أنا هحلبه هحلبه.

طبعاً النظام المصري؛ ينظر إلي تلك الجاموسه التي تأكل البرسيم بمنتي الإستمتاع؛ ثم ينظر لجاموسته؛ فلا يجدها؛ إذ يجدها قد فرت من قبضته بعدما حكته لها صديقتها عن مذاق البرسيم و لذة الحلب في النظم الأجنبيه.

النظام المصري ينظر لتلك الجاموسه الثمينه (الخبره النادره) التي فرت منه؛ علي أنها جاموسه مثل أي جاموسه و أنه مثلما رباها فإنه سيربي غيرها؛ و تجده يستبدل تلك الجاموسه الثمينه؛ بجاموسه صغيره لن تدر له عشر ما كانت الجاموسه الأولي تدر من اللبن؛ و مع ذلك فإنه حتي تلك الجاموسه الصغيره؛ ما تلبث أن تشعر بما فيه صديقاتها؛ و يبدأ اللحم يظهر عليها فإنها حتما تفر من قبضة هذا النظام الغبي؛ إلي نظام آخر يقدر الجاموس و يعلم أن هذا الجاموس هو مصدر جلب الإستثمارات له.

لذلك تجد الجاموس المصري في النظم الأجنبيه يحتل أعلي مكانه في إدرار اللبن؛ بينما تجد النظم المصريه و في القريب العاجل؛ تعلن عن أول مشروع لحلب الحمير

لأن الجاموس و للأسف قد نفذ من الأسواق المصريه و غادرها إلي شركات أجنبيه

فكيف لنا أن ننهض بمجموعة حمير

و كيف لنا أن نستسيغ مذاق لبن الحمير؛ و ما هي العقول التي ستنتج من شرب ذاك اللبن الحميري

أكيد عقول .... حمير

البرسيم الذي تقدمه الإدارات الأجنبيه لا يتمثل فقط في العائد المادي الذي يتقاضاه الموظف؛ و لكنه أيضاً التفعيل المباشر لكلمه الموارد البشريه التي و للأسف فإن الإدارات المصريه لا تعلم عنها شيئاً؛ و لا تفقه من إسمها أي معني سوي أن البعض يستطيع أن يقول و هو يلوي لسانه الإتش أر و لا أحد يعلم أننا في عصر الإتش آر فيه أهم أجزاء منظومة الإداره

البرسيم يتمثل و بالدرجه الأولي؛ في عدم إنشغال الموظف؛ بوسيلة مواصلاته التي تنقله للعمل؛ و سواق الأوتوبيس الغير مناسب؛ و أين سيسكن؛ إن لم يكن من أهل المدينه التي فيها شركته؛ و ماذا سيأكل إذا ظل في عمله لفترات طويله بعد الفترات الأساسيه؛ و علي أي أسس تتم الترقيات؛ و هكذا من الأشياء التي نعلم جميعاً أن من له واسطه؛ فيها فإن كل شئ يتم علي أكمل وجه؛ أما الآخر فليس له إلي قولة

يا عيني علي الفقير يا ولداه

الخلاصه نحن نطالب بتوفير كميات مناسبه من البرسيم


و لو مش هينفع

يبقي أبوس إيديكو


متحلبوناش

و يجعله عامر

Tuesday, May 6

محمد علي باشا....صاحب وكسة مصر الحديثه

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

حلقةٌ ثانيه من حديثنا عن آثار محمد علي في تغريب مصر؛ و كنا في الحلقه الفائته قد تكلمنا عن أثره علي المستويين؛ العسكري؛ و بناء الجيش؛ و أيضاً علي تفاصيل توليته المناصب الهامه في الدوله للنصاري و اليهود؛ و في هذه المره نأخذ فاصل قصير؛ نعرض فيه بعض الأقوال المأثوره عن محمد علي؛ ثم نتواصل بعدها إن شاء الله لنواصل باقي التفاصيل.

فاصل و نتواصل إن شاء الله بعد الفاصل

يقرر المؤرخ أرنولد توينبي أن محمد علي "طبق عملية تغريب منظمة على سكان مصر، مدة خمس وثلاثين سنة".(1)

ويقر المفكر الدكتور فؤاد زكريا، أن "محمد علي أول علماني حقيقي في العالم العربي الحديث، وصاحب أول مشروع متكامل للنهضة كان قوامه التحديث الشامل على النمط الأوروبي".(2)

ويقول المفكر محمود أمين العالم: "لقد فشلت الحملة الفرنسية سياسياً وعسكرياً، ولكنها تركت بصماتها الحضارية في مصر، ولم تكن دولة محمد علي إلا التجسيد والاستمرار العملي لذلك. حقاً، لم ترفع هذه الدولة علماً فرنسياً، ولكنها أخذت ترفع علم التحديث، حسب النهج الفرنسي، أو النهج الرأسمالي الأوروبي عامة".(3)

يرى المفكر الدكتور برهان غليون أن دولة محمد علي والدولة العربية الحديثة التي ظهرت فيما بعد كانتا تتطلعان إلى الغرب، وتتخذان الدولة النابوليونية مثلاً أعلى، و"مثلما خلق نابليون طبقة ارستقراطية على مقاس حكمه الأوتوقراطي، أحاط الباشا المصري نفسه بعصبية جديدة سائدة فوق عصبية الممالك البائدة، ليؤسس على أنقاضها أرستقراطيته الخاصة، وهي نسيج أقوامي: الأتراك والألبان والأكراد والشركس والأرمن والأوروبيون"(4)

عدنا بحمد الله

كنا قد إنتهينا في كلامنا في الموضوع السابق إلي تولي النصاري و اليهود المناصب العليا في الدوله؛ و تنحية محمد علي للمسلمين من هذه المناصب؛ و مما يذكر في هذا الصدد أيضاً؛ و أود ذكره قبل الإنتقال إلي التالي من العناصر؛ أنه لما تولي الحسبه رجل يُدعي مصطفي كاشف؛ أراد أن يعيد اليهود و النصاري إلي حالتهم؛ التي كانوا عليها قبل مجئ محمد علي إلي سدة الحكم؛ فأمر مناديه بمصر القديمه أن ينادي علي نصاري الأرمن و الأروام و الشوام بإخلاء البيوت التي عمروها و زخرفوها و سكنوا بها مطله علي النيل؛ و أن يعودوا إلي زيهم الأول من لبس العمائم الزرقاء؛ و عدم ركوبهم الخيل و البغال و الراهوانات الفارهه و إستخدامهم المسلمين.

و لكن محمد علي قطع الطريق علي هذا الإصلاح و أمر بكف هذا المحتسب؛ بعد أن تم زجره و تأنيبه؛ و ذلك لما تقدم اعاظمهم إليه بالشكوي و هو يرعي جانبهم لأنهم صاروا أخصاء الدوله و جلساء الحضره و ندماء الصحبه كما يقول الجبرتي. (6)

و النقطه التاليه نقطه في غاية الأهميه؛ إذ أن من أن من أخطر مظاهر مولاة محمد علي للنصاري و الأوروبيين؛ أنه فتح لهم البلاد علي مصراعيها؛ للبحث و التنقيب و إكتشاف الآثار؛ و قبل أن ينتفض أحد القراء جزعاً من ذكر الآثار نقول أن الأوروبيين لم يكن هدفهم من ذلك حب الآثار المصريه مثلاً؛ و لكن كان لهم من وراء ذلك هدفان:

أولهم: وضع أيديهم علي مراكز الثروات؛ و دراسة المواقع دراسه تخطيطيه دقيقه مما أفادهم و لا شك في إحتلال مصر فيما بعد عام 1882؛ خصوصاً إذا علمنا أن كثيراً من هؤلاء المنقبين كانوا من الإنجليز.

و ثانيهم: هدف قد يفوق الأول خطوره؛ و سأدع كلمات أحد المستشرقين (جورج سارتون ) (7)؛ تتحدث بدلاً مني؛ يقول في (كتابه الشرق الأدني مجتمعه و ثقافته)؛ يقول" إننا في كل بلد إسلامي دخلناه؛ نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام؛ و لسنا نطمع بطبيعه الحال أن يرتد المسلم إلي عقائد ما قبل الإسلام؛ و لكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام و تلك الحضارات"(8)

و الكلام السابق لا يحتاج إلي تعليق...!!؟

إلي هنا ننتقل إلي نقطه أخري في تاريخ محمد علي باشا الكبير؛ سلطان من مصر (1805-1849)

فلنتابع التفاصيل؛ ثوره تعليميه؛ هدفها التغريب.

عمل محمد علي علي قياده ثوره تغريب في العالم الإسلامي؛ كانت مثاراً للدهشه و الإعجاب من قبل مؤرخي الغرب؛ ة قد سلك في ذلك سياستين تغريبيتين؛

الأولي: إبتعاث الطلاب الشبان إلي أوروبا ليتعلموا هناك.

الثانيه: إنشاء نظام تعليمي جديد علي نسق الأنظمه التعليميه الغربيه.

اما عن الأولي؛ فكما يقول الشيخ محمد قطب؛ أن ذلك كان من أخطر ما فعله؛ فمن هنا بدأ الخط العالماني؛ يدخل ساحة التعليم؛ و من ورائه ساحة الحياه في مصر الإسلاميه. (9) و من هؤلاء المبتعثين الشيخ رفاعه رافع الطهطاوي؛ إمام إحدي البعثات و شيخها؛ و الذي عاد حاملاً معه بذور التغريب و العلمنه كالدعوه إلي تحرير المرأه و أخذ يسهم في زعزعة عقيده الولاء و البراء بإغراقه في مديح أوروبا و الثناء عليها في كتب كثيره لعل من أبرزها كتابه في مدح باريس(10) و الذي قيل أنه أهداه إلي محمد علي فقبله بإحترام. و قد بلغ عدد من أُرسِل من المصريين حتي عام 1842 مائة تلميذ. (11)

و كان يتم إرسال الأطفال بين الثامنه و التاسعه إلي أوروبا و اشترط نوبار باشا و هو سكرتير إبراهيم باشا ولي عهد محمد علي و نجله الأكبر أن يُفصل بعضهم عن بعض في المعيشه أو يوضع كل إثنين في غرفه صغيره(12)

و أما عن الثانيه؛ يقول الدكتور أحمد عزت عبد الكريم "و مهما يكن من شئ؛ فقد ظهر لمحمد علي أن التعليم في الأزهر لا يمكن أن يحقق أغراضه..كما ظهر له أن التعليم الغربي أو التعليم الذي عرفته أوروبا في عصره كان وحده الوسيله لتحقيق أغراضه؛ و كان هذا كافياً ليحمل محمد علي أن يحول وجهه عن الأزهر و "الكتاتيب" و ينشئ بجانبها "نظاماً تعليمياً" قائماً بنفسه؛ مقتبساً من الغرب "(13)

و السؤال لماذا لم يلجأ محمد علي إلي إصلاح الأزهر و التعليم في عصره و وضع كل إمكانياته التي إستغلها في التغريب في سبيل ذلك الهدف..!!؟ لكن محمد علي أصر علي السير بالأمه في المضمار التغريبي؛ و لجأ إلي الترجمه؛ في مختلف العلوم و القوانين؛ و قام بإستقدام مدرسين و أساتذه أجانب إلي المدارس الجديده التي أنشأها. (14)

و الحقيقه و الهدف الأساسي من وراء إنشاء هذا النظام التعليمي الجديد هو إلغاء دور الأزهر في المجتمع؛ و من ثمَّ القضاء عليه بصوره غير مباشره؛ و ذلك أن تلكم المدارس كانت ذات إمكانيات عاليه؛ و تؤهل الدارسين فيها إلي تبوؤ المناصب الهامه و الأهمال الرفيعه في دولة الباشا.

و من ذلك كلام الدكتور أحمد عزت عبد الكريم" لكن إبتعاد الأزهر عن مجال التوظيف؛ أو عدم إتخاذ الأهبه لإعداد تلامذته بما يؤهلهم للحياه؛ و للمجتمع الذي يعيشون فيه لم يلبث أن باعد بينه و بين كثير من خاصة الناس؛ و صرفهم عنه إلي حد كبير. فقد كانت المناصب التي يصيبها خريجو المدارس؛ و الثراء و الإحترام اللذان يحظون بهما في أنحاء البلاد .... كل أولئك كان يخلب ألبابهم و يستهويهم إلي المدارس التي تقدم لهم هذا كله"(15)

و هل يكون إلغاء دور الأزهر و تحجيم أنشطته إلا بصرفه عن مجالات التوظيف؛ أو علي الأصح بصرف مجالات التوظيف عنه؟ و قطع صلته بالحياه العامه.

و حين أنشأ محمد علي مدارسه الحديثه كان محتاجاً إلي معلمين للغه العربيه؛ و لم يكن هناك بالطبع غير الأزهر. لذا فقد إتجه محمد علي إليه و أخذ منه ما يكفي مدارسه و مكاتبه من المعلمين؛ فكانوا فريقاً هاماً من موظفي المدارس (16)

و عن معاملة محمد علي لهؤلاء المعلمين الذين إستقدمهم من الأزهر؛ يقول الدكتور أحمد عزت عبد الكريم "و كانت الحكومه تعلم أنهم لم يكونوا يمنحون في الأزهر مرتبات كبيره؛ و لهذا نراها تبخل عليهم بتلك المرتبات و تري أنهم إنما يقومون (بمقاصد خيريه) ثوابها عند ربهم!! فقد كان هناك مدرسون بل رؤساء مدرسين يقضون اثنا عشر عاماً لا يصيبون من الحكومه إلا مائتي قرش في الشهر؛ و هو قدر ضئيل يناله خريج مدرسه خصوصيه حديث العهد بالوظائف؛ ثم هي بعد ذلك تبخل عليهم ببضعة قروش تضيفها إلي مرتباتهم.

أما مكاتب المبتديان(17) فقد كان نظارها من علماء الأزهر؛ و كان راتب الواحد منهم أربعين قرشاً في الشهر أي بزياده عشرة قروش علي مرتب (الحلاق) أو الخياط. (18)

كانت هذه هي السياسه نفسها التي إنتهجها الإنجليز بعد ذلك من إحتقار الأزهريين و بخسهم مرتباتهم؛ و حقوقهم؛ و في إقصائهم عن مجالات التوظيف(19) و ليس ذلك بمستغرب من الإنجليز و لكننا نستغرب أشد الإستغراب أن يقوم بمثل ذلك من يُحسب علي الإسلام و المسلمين.

و لكن سُرعان ما يتبدد هذا الإستغراب إذا عرفنا أن القائمين علي التعليم في عهد محمد علي كان معظمهم من الغربيين النصاري؛ فمجلس شوري المدارس و هو الهيئه العليا للتخطيط و التنفيذ كان جميع أعضائه من الأجانب عدا ثلاثه.

علي أن هناك أمراً تجدر الإشاره إليه حول ما ذُكر من ضآلة الأجور و المرتبات في الأزهر و التي كان سببها قيام محمد علي بالإستيلاء علي الأوقاف التابعه للأزهر و ضمها للدوله؛و بالتالي إحكام السيطره علي المشايخ و القائمين علي التعليم من رجال الأزهر. (20) و حتي الكتاتيب التي تعلم القرآن و العلوم الأوليه لأبناء المسلمين لم تنج من غائلة محمد علي؛ فقد ذكر الجبرتي –رحمه الله- أن كثيراً من المكاتب أُغلقت بسبب تعطل أوقافها و إستيلاء محمد علي عليها(21)

و ذكر الشيخ محمد عبده أن ما أبقاه محمد علي من أوقاف الأزهر و الأوقاف الأخري لا يساوي جزءاً من الألف من إيرادها. و أنه أخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي لهذا اليوم (في عهد الشيخ محمد عبده) لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنه؛ و قرر له بدل من ذلك ما يساوي أربعة آلاف جنيه في السنه. (22)

غاية التعليم في عصر محمد علي كان إيجاد جيل من الخريجين الذين يدينون بالولاء لشخصه؛ و يقتبسون مرجعياتهم من أوروبا؛ و هو بذلك قد حقق جميع الأهداف الفرنسيه؛ و هو أمر أكده المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي حيث يقول" كان محمد علي ديكتاتوراً أمكنه تحويل الآراء النابليونيه إلي حقائق فعاله في مصر"(23)

يلاحظ العلامة محمود محمد شاكر أن محمد علي كان واقعاً تحت تأثير القناصل والمستشرقين الأوروبيين )وخاصة منهم المستشرق الفرنسي آدم فرانسوا جومار)، الذين كانوا يرعون ويوجهون طلاب البعثات المصرية في فرنسا، وطلاب مدرسة الألسن، التي أنشئت في مصر 1836م تحت إدارة رفاعة الطهطاوي، فشكل أولئك الطلاب: "حزباً لفرنسا أخطر من حزب نابليون"، ذلك الحزب الذي أراد نابليون أن يكون من الولاة المماليك ومشايخ البلدان الذين كانوا يتولون الحكم في زمانه(5)

وكان من مثالب الطهطاوي أنه "وضع أساساً لمدرسة ملفقة مبتورة الصلة كل البتر من "مركز الثقافة المتكاملة"، التي كان الأزهر مهدها على قرون متطاولة، وكان وحده على طول هذه القرون مركز ثقافة دار الإسلام في مصر. وكذلك، أحدث رفاعة الطهطاوي صدعاً مبيناً في ثقافة الأمة، وقسمها إلى شطرين متباينين: "الأزهر" من ناحية، و"مدرسة الألسن" في ناحية، وكذلك حقق رفاعة لدعاة الاستشراق أهم ما يتوقون إليه من وأد اليقظة الواحدة المتماسكة التي كان الأزهر مركزها، منذ عهد البغدادي والزبيدي والجبرتي الكبير، وفي وقت كان فيه محمد علي الجاهل يحطم أجنحة الأزهر، ويضعه في قفص لا يستطيع الإفلات منه، ويدبر كل مكيدة لإسقاط هيبته و مشايخه، ويعزلهم عن جمهور الأمة عزلاً بين قضبان من الحديد وجدران من الصخور. ومرت الأيام والسنون، وهذا الصدع يتفاقم، حتى انتهينا إلى ما نحن عليه اليوم من الانقسام والتفريق، وذهبت "الثقافة المتكاملة" في دار الإسلام في مصر أدراج الرياح" (24)

وهكذا، فقد انضمت مدرسة الألسن وطلاب البعثات في مصر، إلى الإرساليات التبشيرية والمدارس الأجنبية في بلاد الشام، لتكوين الكماشة التي أطبقت على الثقافة الإسلامية، فأضعفت قواها، وأجبرتها على التراجع أمام الثقافة الغربية والغزو الفكري والعولمة الثقافية.‏

وكذلك، يلاحظ المؤرخ الدكتور ذوقان قرقوط، أن ما قام به محمد علي، من تعليم وتحديث.. الخ، كان "هامشياً ضعيف الأثر، لأنه ارتكز على غير أبناء البلاد، حتى لقد كان الهدف من اختيار صغار السن لفرض العلم، لا من أجل التهيئة للاستيعاب وخلق قدرات الانفعال والتفاعل، وإنما لفصل أولئك الطلاب عن أصولهم، وقطع جذورهم، وبلغ به الأمر حد تغيير أسمائهم". ويقول الدكتور قرقوط أيضاً عن جيش محمد علي: على عكس ما كان يظن الآخرون، كان هذا الجيش خليطاً من كل جنس، ولم يكن أبناء العرب مبعدين كل الإبعاد عن الاشتراك في شؤون الحكم فحسب، بل كانوا مبعدين كذلك" عن الخدمة العسكرية، وكان المجندون القليلون يفصلون في فرقة خاصة بهم، ويعزلون عن سائر الجند، ولم يبدأ رسمياً بتجنيد العرب إلا بعد حرب السودان".

الحديث عن عصر محمد علي باشا؛ يمتد معنا في الحلقه القادمه؛ عن الشئون السياسيه و العسكريه و الإقتصاديه في عهد الباشا الذي ظل جاثماً علي صدر هذه الدوله من 1805 إلي 1849 و ورثه أبناؤه؛ يتداولوننا كأي من مقتنياتهم؛ و ما أشبه الماضي بالحاضر؛ و ما أقرب اليوم إلي البارحه

و ها نحن نتعلم من قولة تشيرشل رئيس وزراء إنجلترا

نحن لا نتعلم السياسه؛ إقرأوا التاريخ تتعلموا السياسه

كانت تلك ثاني الحلقات

من بداية الخيط

من قراءة تاريخ

صاحب وكسة مصر الحديثه

المراجع:

(1) موقع جريده الغد المصريه.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) ذكره: فادي إسماعيل، الخطوة الأولى لسلطة محمد علي كانت ضرب هيبة علماء الأزهر، جريدة "الحياة" ـ لندن، 29/4/1991.‏

(5) انظر: محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، دار الهلال، سبتمبر1991، كتاب الهلال، العدد 489، ص 207.

(6) "عجائب الآثار (3/566).

(7) جورج سارتون (1884-1956) بلجيكي الأصل متخصص في العلوم الطبيعية والرياضية درس العربية في الجامعة الأمريكية في بيروت 1931م-1932م؛ و أبرز كتبه "المدخل إلي تاريخ العالم".

(8) أنظر واقعنا المعاصر (ص 202).

(9) "واقعنا المعاصر" (ص207).

(10) المصدر السابق (ص 209).

(11) "البهجه التوفيقيه في تاريخ مؤسس العائله الخديويه" لمحمد فريد بك-المطبعه الأميريه ببولاق 1308 هجريه.

(12) "تاريخ التعليم في عصر محمد علي (ص432). أحمد عزت عبد الكريم؛ طبعة 1938 و ذلك حتي يسهل صهرهم في المجتمعات الأوروبيه؛ و ما عسانا ننتظر من هذا السكرتير الصليبي.

(13) المصدر السابق (ص588).

(14) المصدر السابق (ص30).

(15) المصدر السابق (ص573).

(16) المصدر السابق (ص575).

(17) يعني الإبتدائيه و هي لفظه تركيه معناها المبتدئون.

(18) المصدر السابق (ص575).

(19) "واقعنا المعاصر" (ص217).

(20) "قراءه جديده في تاريخ العثمانيين" (ص179) للدكتور سليمان بيومي.

(21) "عجائب الآثار" (3/478)؛ و "تاريخ نظام التعليم في جمهورية مصر العربيه" (ص80) منير عكا الله سليمان.

(22) "مذكرات الإمام محمد عبده" (ص44) لطاهر الطناحي.

(23) "قراءه جديده في تاريخ العثمانيين" (ص182).

(24) انظر: محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، دار الهلال، سبتمبر1991، كتاب الهلال، العدد 489؛ (ص214-215).

(25) موقع جريده الغد المصريه.

(26) "ثروة الأمم وفقرها"، للمؤرخ وعالم الاقتصاد دافيد لاندس.